الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّه الكريم، الرحمة المهداة للعالمين، وعلى آله وصحابته ومن تبعه واهتدى بهديه إلى يوم الدين؛ أما بعد.
فقد جاء في الآثار عن سلف هذه الأمة حكمةٌ بليغةٌ لمن تدبرها وعمل بمقتضاها؛ قالوا: ( كفى بالموت واعظاً) وقالوا: (كلُّ امرئٍ مصبَّحٌ في أهلهِ ** والموتُ أدنى من شراكِ نعلهِ). فجعل الله تعالى الموتَ عبرةً لذوي البصائر ليتعظوا ويعملوا لما بعد الموت، كالراحل يتزوَّد ما استطاع من زاد التَّقوى يتجهَّز به للارتحال عن هذه الدار الفانية إلى الدار الباقية، وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم (البخاري: 6417) بأنَّ الإنسان محيطٌ به أجله، وأنَّ الأمل أطول من الأجل، ولابد أن يدركه الأجل قبل بلغوه أمله.
فرحم الله تعالى أبا فهد فقد وعَظَنا ميتاً كما كان يعظنا حياً، اللهم اغفر له وارحمه وتب عليه وافسح له في قبره واجعله مدَّ بصره، واجعله في روضة من رياض الجنة .
وإنَّ حديثاً عن أخي الشَّيخ عبدالرحمن ليس كأيِّ حديث، كالراكب يعلو البحر الخضم الواسع يريد أن يخوض فيه، فلا يدري على أي شاطئ يقذف به الحديث! وقد احتبَسَتْ قلمي دهشةُ فقده ومصيبةُ الغدر به وحرارة الصبر برهة ليست بالقليلة، علاوة على ما كان يتصف به رحمه الله من الصفات والخصال المتنوعة، فإن الشخصيات الموسوعية حقاً والشمولية مما تحار فيها الأقلام.
ولكن إن للحق مقالاً لابد منه، وإنَّ للوفاء عهداً يجب حفظه؛ ومن حق أبي فهد علينا أن نستذكره بكليمات صالحات في شهر الرحمات فيدعى له بالخير؛ فأقول بعد الاستعانة بالله تعالى:
-اسمه ونسبه ومولده ونشأته: هو عبدالرحمن بن عيد بن مطلق بن مهنَّا السنافي من المساحمة من قبيلة العوازم، ولد في الكويت في منطقة السالمية سنة 1979م موافق 1399ه، عرف بيتهم الكريم: بآل سنافي، ولجده النوخذة محمَّد المسحمي حكايةٌ شهيرة مستفيضة عند أهل الكويت (فترة الشيخ مبارك الصباح رحمه الله) كان سبباً اشتهارهم بهذا اللقب، والشيخ أبو فهد من أسباط محمد المذكور فهو جده من جهة البنات.
نشأ رحمه الله في بيت صلاحٍ وديانة، وتخلَّق بأخلاق أهله الحسنة وتربَّى في أكناف مكارم الأخلاق بين الأعمام والأخوال، في بيئةٍ طيبةٍ دمثةٍ نظيفةٍ عن أمراض النفوس وأدوائها؛ كانت لها الأثر الملحوظ في بناء شخصيته مستقبلاً، حتى صار الشيخ أبو فهد –فيما بعد- معروفاً بالأخلاق الرفيعة من رحابة صدره، وحسن معشره، وسعة حلمه مع الناس، قد ألفته القلوب وارتاحت له النفوس، لا تجد له عداوة مع أحد أو خصومة، ولا يجتمع الأضداد والفرقاء إلا رغبةً في حضور مجلسه بسكينة وسلام بينهم (ومجلس ضيوفه بمكتبته)، فسبحان الله كيف يختصُّ بعض عباده بإصلاح ذات البين بين الناس.
-البدايات العلمية: بدأت علاقته العلمية بحلق المساجد ودروسها، فبدأ بمدارسة كتاب الله تعالى حفظاً وتجويداً وتلاوة، ثم اشتغل بأخذ مبادئ المتون في الحديث والتَّوحيد والفقه، عن شيوخ الكويت وأستحضر في هذا المقام شيخين فاضلين: الأوَّل: الشَّيخ لافي بن خليفة الشنيتير العازمي. أخذ عنه جملةً من العلوم وكان يجله ويشكر فضله، والثاني: الشَّيخ محمد أحمد السيِّد من المقرئين المصريين المسندين، وقد أخذ عنه القرآن الكريم، كما أخذ عن غيرهما، ولوحظ نبوغُهُ العلمي وقدرات العالية في حفظ المتون التي اشتغل بها؛ حتى إنَّ النَّص الطويل من المنظوم والمنثور لينتقش في حافظة الشيخ أبي فهدٍ من سماعه أوَّل مرَّة، وهذا في القدرات من عجائب الهبات، ولا حَجرَ على فضل الله سبحانه.
فاتجَهَ مبكِّراً نحو الدراسات الإسلامية وتخصَّص في المرحلة الثانوية/ مقررات بتشعيب: (التربية الإسلامية)، حباً ورغبةً في دراسة العلوم النافعة (علوم الكتاب والسنة)، وبعدما أتمَّ حفظ كتاب الله بتمامه تقدَّم لوظيفة الأذان في بيوت الله تعالى كـ(مؤذن) في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ويشهد جميع من سمع صوت أبي فهدٍ أثناء تأديته للأذان؛ بنداوة أذانه وحلاوة صوته وعذوبة ترتيله، فأوكِلَت إليه مهام الأذان وإمامة المصلين في مسجد (الشَّيخة بدرية الأحمد الجابر الصباح) في منطقة البدع وهو قريبٌ من بيته بمنطقة سلوى، وكان من روَّاد المسجد وأهل الصفِّ الأوَّل: سمو الأمير (الشَّيخ صباح الأحمد الجابر الصباح) حفظه الله تعالى ورعاه.
ثم تاقت نفسُ الشيخ عبدالرحمن للاستزادة في العلوم الشرعية والتضلُّع من معين معارف الشريعة؛ فقام بالتقديم طالباً الانتظام الدراسي في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية على صاحبها أزكى الصلاة وأتم التسليم، وفي تلك الأثناء منتظراً جواب المدينة؛ انتظم في سلك الدارسين في كلية التربية الاساسية / قسم التربية الإسلامية.
 -الرحلة العلمية إلى الجامعة الإسلامية: وهذه المرحلة الفارقة في حياة الشَّيخ أبي فهد؛ فقد انفتحت عليه بركات مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم بما لم يعهده، من الصلاة في المسجد النبوي والأخذ عن علماء المسجد بالإضافة للدروس النظامية بالجامعة الإسلامية بما كفل له تكويناً معرفياً ثرياً، وهنا الحديث ذو شجون: لا أطيق حصر تفاصيل تلكم المرحلة ولكني سأكتفي بالإشارة؛ اختار الشيخ أبو فهد لنفسه (كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية) فسجَّل فيها، والتقى بالكثير من العلماء المتخصصين في حقولهم العلمية وبالأخص علم الحديث بقسميه في الجامعة: علوم الحديث وفقه السنة.
فمن جملة شيوخه في الجامعة: د. عبدالباري بن الشَّيخ حمَّاد الأنصاري، د. حافظ بن محمد الحكمي، د. عبدالعزيز العبداللطيف، د. عبدالله بن مراد الأثري، د. عبدالصمد بن بكر آل عابد، د. عبدالعزيز البعيمي، د. أنيس أحمد طاهر، د. عوَّاد الرويثي، د. عبدالرحمن الشبل، د. عمر السفياني، د. مصلح الحارثي، د. عبدالله البخاري، د. مقبل الرفيعي، د. حمد الحمَّاد، د. عبدالله الزاحم، د. إبراهيم نور سيف، د. إبراهيم العيسى، وغيرهم.
أما شيوخه في الحلق العلمية خارج الجامعة: ففي مجال القرآن : عرضه كاملاً على الشَّيخ محمد أيوب القارئ الشهير في مسجده، وعلى الشيخ المقرئ عبيد الله الأفغاني في حلقته بالمسجد النبوي، وأجاز له برواية حفص عن عاصم.
وفي بقية العلوم: أخذ عن العلامة الشيخ عبدالمحسن العباد البدر، د. صالح السحيمي، الشَّيخ محمد أحيد بن عمر الجكني الشنقيطي، الشَّيخ مسعود حقَّاني الأفغاني، الشيخ عبدالرحمن بن الحبيب شطو المغربي، الشيخ أحمد بن محمد الأمين بن أحمد المختار الجكني الشنقيطي (المدرِّس بباب عمر بالمسجد النبوي)، الشيخ عبدالرحمن ابن عوف كوني، الشيخ الفرضي عبدالصمد كاتب، وغيرهم من المدنيين مما يطول استقصاؤهم.
-الرحلات العلمية في طلب العلم: لم تكن المدينة وحدها محلَّ اهتمام الشيخ أبي فهد، بل أردفها برحلات شتَّى، فأخذ بمدينة الرياض عن الشيخ د. عبدالسلام بن برجس العبدالكريم سنة 1418ه وكتب له تزكية علمية، وأخذ بمكة المكرمة عن الشيخ د. وصي الله عبَّاس وأجاز له في الحديث، وارتحل إلى مدينة (أبها) طالباً نكتةً إسناديةً عزيزة، للدراسة على القاضي المعمَّر المسند الشيخ إبراهيم بن راشد الحديثي، فاتصل بالشيخ سنة 1423ه وقرأ عليه مجموعة من الكتب مثل: كتاب التوحيد، والأصول الثلاثة، والقواعد الأربع ، وأجاز له هذه الكتب بإسنادٍ عالٍ جداً عن الإمام عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ، حيث إنَّ بين الشيخ إبراهيم الحديثي والإمام عبدالرحمن رجلٌ واحد، هو الشيخ رميح بن حسن، وهو جد الشيخ إبراهيم الحديثي لأمه، ثم إنَّ أبا فهد –جزاه الله خيراً- لما استقرَّ في الكويت أقرأ هذه الكتب وأجاز بها عن شيخه المذكور. ومما علمته أنَّ للشيخ أبي فهد رحلة علمية قديمة إلى اليمن، قبل ارتحاله للدراسة في المدينة، سافر والتقى بالشيخ مقبل الوادعي واستفاد منه في علم الحديث.
-التعاون العلمي مع المراكز الثقافية ومكانز المخطوطات والكتب: كانت للشيخ علاقات اجتماعية متميزة مع أغلب المراكز العلمية بالمدينة، مثل د. عبدالله بن عبدالرحيم عسيلان في النادي الأدبي ومركز دراسات المدينة، ود. عبدالرحمن المزيني في مكتبة الملك عبدالعزيز (وما تحويها من مكتبات وقفية)، الأستاذ محمد بن عبدالرزاق الصانع في مكتبة مخطوطات المسجد النبوي والكتب النادرة، وكانت له مشاركات فاعلة مع بعضهم إما بالتبادل أو الإهداء للمصادر والمراجع المطبوعة، أو بالفهرسة والتكشيف أحياناً واستخراج المجاهيل من المخطوطات.
-الإجازات الحديثية: إنَّ للشيخ أبي فهد رحمه الله سهماً وافراً من إجازات شيوخ الرواية، وهي من مُلَح العلم لا من صلبه؛ فمنهم على سبيل المثال: الشيخ عبدالله مراد، الشيخ مساعد بن بشير (حاج سديرة)، الشيخ مالك العربي السنوسي، الشيخ أحمد بن عبدالسلام بن أحمد، الشيخ إبراهيم بن محمد نور بن سيف، الشيخ حمدي بن عبدالمجيد السلفي، الشيخ عبدالرحمن بن الطالب الحبيب شطو (ممن يروي عن تقي الدين الهلالي)، الشيخة فاطمة بنت أحمد الشريف بواسطة ابن أخيها (وهي تروي عن زوجها ملك ليبيا: إدريس بن السيد محمد المهدي السنوسي)، ثم الشيخ حافظ ثناء الله الزاهدي، وغيرهم من الفضلاء.
- ها وأنا أكتب؛ كلما حاولتُ كبحَ جماحِ القلمِ عن الإسراف... أجد نفسي مسترسلاً بالمزيد! لذا سألجأ إلى الاختصار فيما سيأتي إن شاء الله من هذا المقال.
- العودة إلى الكويت: بعدما أصبح الشيخ ريَّان من العلوم الشرعية وبلغ نهمته من رحلته العلمية وتخرَّج في كلية الحديث، رجع إلى الكويت لينفع أهله وبلده بما حصَّل من العلوم، وكان بتلك الفترة قد أسس لنفسه مكتبة ضخمةً في فترةٍ لم تكن المصادر متاحةً كما هي اليوم من خلال الشابكة العنكبوتية، فصارت موئلاً لطلبة العلم يفدون عليها من كلِّ مكان ليجلسوا فيها وينهلون من ذخائرها.
-العمل الدعوي والتعليمي: بدأ الشيخ حياته الوظيفية بعد الجامعة بالعمل في قطاع المساجد من وزارة الأوقاف كباحث شرعي في المراقبة الثقافية، يقوم على تنسيق الدروس العلمية والمحاضرات الوعظية والإشراف عليها مع زملائه في العمل، يحيون بيوت الله بالذكر والعلم، إلى أن انتقل للعلم معلِّماً للحديث الشريف في دور القرآن الكريم بمركز الفروانية، وانتدب نفسه مدة سنة للعمل معلماً في المعهد الديني التابع لوزارة التربية، ثم عاد إلى دور القرآن ليستكمل مسيرته التعليمية بمركز الرميثية / دار القرآن، مستقرًّا فيه.
وتزامن ذلك مع الكثير من جهود الشيخ الفردية من الدروس الخاصة في بيته، والعامة التي يطلب منه إلقاؤها، والمحاضرات في المساجد وملتقيات الناس، بل والرحلة لإقامة الدورات الخارجية لطلبة العلم الشرعي إلى دول شرق آسيا: كالفلبين وتايلاند؛ من باب مشاركة إخوانه المشايخ والدعاة في الدعوة إلى الإسلام.
-عناية الشيخ بالأدب بأنواعه: كانت للشيخ علاقات متميزة بأدباء الكويت، ومشاركات ومطارحات أدبية وإخوانيات شعرية، حتى عُرف (بالأديب السنافي)، وكانت له المكانة الخاصة عندهم؛ كأمثال الشاعر الأديب أبي منصور عبدالله الحافظ (ومجلسه هو دكانه في سوق المباركية)، والشاعر الأديب أبي عبدالرحمن أحمد بن غنام الرشيد الحمود الحنبلي، وغيرهم كثير جداً من الأحباب والفضلاء، والأصفياء الأوفياء.
-عنايته بالتاريخ الكويتي:  كان رحمه الله من الشخصيات الوطنية بالمفهوم الشرعي العلمي؛ يحب بلاد الإسلام والمسلمين ويعنى برصد تراجم علماء البلدان والشيوخ وتدوينها، وله ولعٌ بجمع كتبهم ومكتباتهم، وإنَّ التاريخ الكويتي حافلٌ بجهود المصلحين والعلماء والدعاة إلى الله، إلا أنه مغفولٌ عن ذكرهم والعناية بتواريخهم، وكان لأبي فهد عناية خاصة بهذا الجانب.
-فاجعة قتله غيلةً وموته: إنَّ الله تعالى قد كتب المقادير والآجال، لا اعتراض على قضائه وقدره سبحانه، ولكن إنَّ مما لا ينقضي منه العجب والدهشة والاستغراب والاستنكار أن تفقد الكويت ابناً بارّاً من أبنائها النشطين في التعليم والدعوة إلى الله، ومشايخها الفاعلين في مجتمعهم بالخير والصلاح والثقافة، بأيدٍ جانية ظالمة آثمة، بلا سبب مستوجب، أو ذنب مستحق اقترفه، وإنَّ سفك دماء المسلمين من أعظم الفساد، فكيف بمن يقتل حملة كتاب الله تعالى وحفظة سنة نبيه الكريم، هذا وقد قضى شيخنا أبو فهد في 21/8/2018م موافق 10/12/1439ه.
اللهم اغفرله وارحمه واجمعنا به في مستقر رحمتك يا أرحم الراحمين.